عماد الدين خليل
14
دراسة في السيرة
الرسول صلى اللّه عليه وسلم ويخيل إلينا أننا نسمع محمدا يتحدث في مؤلفاتهم إما باللهجة الألمانية أو البريطانية أو الفرنسية ولا نتمثله قط - بهذه العقلية والطباع التي ألصقت به - يحدّث عربا باللغة العربية » ، وينتهي المستشرق الفرنسي - الذي أعلن إسلامه - إلى القول « إن صورة نبيّنا الجليلة التي خلفها المنقول الإسلامي تبدو أجلّ وأسمى إذا قيست بهذه الصور المصطنعة الضئيلة التي صيغت في ظلال المكاتب بجهد جهيد » « 1 » . ويحدثنا المستشرق البريطاني المعاصر ( مونتكمري وات ) في كتابه ( محمد في مكة ) كيف « إن عزيمة محمد في تحمّل الاضطهاد من أجل عقيدته ، والخلق السامي للرجال الذين آمنوا به ، وكان لهم بمثابة القائد ، وأخيرا عظمة عمله في منجزاته الأخيرة ، كل ذلك يشهد باستقامته التي لا تتزعزع ؛ فاتهام محمد بأنه دجّال Imposteur يثير من المشاكل أكثر مما يحلّ ، ومع ذلك فليس هناك شخصية كبيرة في التاريخ حطّ من قدرها في الغرب كمحمد . فقد أظهر الكتاب الغربيون ميلهم لتصديق أسوأ الأمور عن محمد . وكلما ظهر أي تفسر نقدي لواقعة من الوقائع ممكنا قبلوه » . ثم يقدم ( وات ) قاعدة منهجية تكاد تكون بديهة من بداهات المنهج الأساسية ، إلا أنها في موقف الغربيين إزاء شخصية محمد تضيع ويوقف العمل بها . . « فإذا أردنا أن نصحح الأغلاط المكتسبة من الماضي بصدده ، فيجب علينا في كل حالة من الحالات ، لا يقوم الدليل القاطع على ضدّها ، أن نتمسك بصلابة بصدقه ، ويجب علينا ألا ننسى أيضا أن الدليل القاطع يتطلب لقبوله أكثر من كونه ممكنا ، وأنه في مثل هذا الموضوع يصعب الحصول عليه » « 2 » . وفي مكان آخر يضرب ( وات ) بالمستشرق الفرنسي ( لامانس ) مثلا على الانحرافات المنهجية التي يمارسها كثير من المستشرقين ، وبخاصة ذلك ( الخطأ ) الذي سبق أن ذكرناه والذي يقوم على جعل الوقائع التاريخية مجالا انتقائيا للتدليل على فكرة مسبقة أو اتجاه محدّد سلفا . إن لامانس « للأسف ! ! يتجاوز الأدلة كثيرا في ناحية أخرى ، إذ أن طريقته العابثة ( ! ! ) في المعالجة ليست طريقة علمية ( ! ! ) ، فهو يرفض هذا الرأي ويقبل الآخر حسب أفكاره الخاصة ومعتقداته ، دون أن يعبأ بالموضوعية . ففي عبارة ( الأحابيش وعبيد أهل مكة ) نجد أن ( الواو )
--> ( 1 ) دينيه : محمد ، المقدمة ص 43 - 44 . ( 2 ) محمد في مكة ص 94 .